عبد الله بن أحمد النسفي
79
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 30 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) في عضد عضد بالسكون . ولما خلق اللّه تعالى الأرض أسكن فيها الجنّ ، وأسكن في السماء الملائكة فأفسدت الجنّ في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورؤوس الجبال وأقاموا مكانهم ، فأمر نبيّه عليه السّلام « 1 » أن يذكر قصتهم فقال : 30 - وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إذ نصب بإضمار اذكر . والملائكة جمع ملاك كالشمائل جمع شمال ، وإلحاق التاء لتأنيث الجمع إِنِّي جاعِلٌ أي مصيّر من جعل الذي له مفعولان وهما فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وهو من يخلف غيره ، فعيلة بمعنى فاعلة وزيدت الهاء للمبالغة ، والمعنى خليفة منكم ، لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته ، ولم يقل خلائف أو خلفاء ، لأنّه أريد بالخليفة آدم واستغنى بذكره عن ذكر بنيه ، كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم ، أو أريد من يخلفكم ، أو خلقا يخلفكم فوحّد لذلك ، أو خليفة مني لأنّ آدم كان خليفة اللّه في أرضه ، وكذلك كل نبي ، قال اللّه تعالى : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ « 2 » وإنّما أخبرهم بذلك ليسألوا ذلك السؤال ، ويجابوا بما أجيبوا به ، فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم ، أو ليعلّم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها ، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة « 3 » غنيا عن المشاورة قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يجهل ، وإنّما عرفوا ذلك بإخبار من اللّه تعالى ، أو من جهة اللوح ، أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر وَيَسْفِكُ الدِّماءَ أي يصبّ ، والواو في وَنَحْنُ نُسَبِّحُ للحال ، كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا أحقّ منه بالإحسان بِحَمْدِكَ في موضع الحال ، أي نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك كقوله تعالى : وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ « 4 » أي دخلوا كافرين وَنُقَدِّسُ لَكَ ونطهّر أنفسنا لك ، وقيل التسبيح والتقديس تبعيد اللّه من السوء ، من سبّح في الأرض وقدّس فيها إذا ذهب فيها وأبعد قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أي أعلم من الحكم في ذلك ما هو خفيّ عليكم ، يعني يكون فيهم الأنبياء والأولياء والعلماء ، وما بمعنى الذي ، وهو مفعول أعلم والعائد محذوف أي ما لا
--> ( 1 ) في ( ظ ) صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) ص ، 38 / 26 . ( 3 ) في ( ظ ) المبالغة . ( 4 ) المائدة ، 5 / 61 .